عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
338
اللباب في علوم الكتاب
أحدهما : أنه نعت لمصدر محذوف ؛ أي : خرقوا له خرقا بغير علم قاله أبو البقاء « 1 » ، وهو ضعيف المعنى . الثاني : وهو الأحسن : أن يكون منصوبا على الحال من فاعل « خرقوا » أي : افتعلوا الكذب مصاحبين للجهل وهو عدم العلم كقول اليهود عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [ التوبة : 30 ] وقول النصارى : الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [ التوبة : 30 ] وقول كفّار العرب : الملائكة بنات اللّه ، ثم إنه تبارك وتعالى نزّه نفسه ، فقال : « سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ » ، والمقصود تنزيه اللّه تعالى عن كل ما لا يليق به . واعلم أنه تبارك وتعالى حكى عن الكفّار أنه أثبتوا له بنين وبنات ، أما الذين أثبتوا البنين فمنهم النّصارى ، وقوم من اليهود ، وأما الذين أثبتوا البنات فهم العرب الذين يقولون : الملائكة بنات اللّه . وقوله : « بِغَيْرِ عِلْمٍ » كالتّنبيه على ما هو الدليل القاطع على فساد هذا القول ؛ لأن الإله يجب أن يكون واجب الوجود لذاته [ فولده إما أن يكون واجب الوجود لذاته ، أو لا يكون ، فإن كان واجب الوجود لذاته ] « 2 » كان مستقلا بنفسه قائما بذاته لا تعلّق له في وجوده بالآخر ، ومن كان كذلك لم يكن له ولد ألبتّة ؛ لأن الولد مشعر بالفرعية والحاجة . وإن كان ممكن الوجود ، فحينئذ يكون وجوده بإيجاد واجب الوجود لذاته ، فيكون عبدا له لا ولدا له ، فثبت أنّ من عرف أن الإله ما هو امتنع من أن يثبت له البنات والبنين . وأيضا فإن الولد يحتاج إليه ليقوم مقامه بعد فنائه ، وهذا إنما يقال في حقّ من يفنى ، أما من تقدّس عن ذلك لم يعقل الولد في حقّه . أيضا فإن الولد يشعر بكونه متولّدا عن جزء من أجزاء الوالد ، وذلك إنما يعقل في حقّ المركّب من الأجزاء ، أما الفرد الواجب لذاته فمحال ، فمن علم ما حقيقة اللّه ؛ استحال أن يقول : له ولد ، فكان قوله تبارك وتعالى : وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ إشارة إلى هذه الدقيقة . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 101 إلى 102 ] بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 101 ) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ( 102 ) لمّا بيّن فساد أقوال المشركين شرع في إقامة الدلالة على فساد قول من يثبت له الولد ، فقال : « بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » .
--> ( 1 ) ينظر : الإملاء 1 / 255 . ( 2 ) سقط في أ .